الأربعاء، 16 فبراير، 2011

من التنظيم الإداري اللامركزي وعدم التركيز إلى الجهوية الموسعة

عرف المغرب إصلاحات  إدارية عميقة منذ الاستفتاء الدستوري  سنة  1996,  التي تعتبر اللبنة الأولى للترسيخ الحكامة الترابية الجيدة وصدور قانون المنظم للجهات سنة  1997,  الذي  ساهم في تجاوز المقاربة التقليدية  للمجال  المرتكزة على أسس أمنية, لكن رغم الإنجازات التي تحققت من وراء تطبيق المقتضيات القانونية فان هناك مشاكل جمة طفت على السطح , كان من أهمها انعدام التوازن التنموي على مستوى جهات  ,  وبروز عجز المقاربات التقليدية الإدارية عن استيعاب  النمو الديموغرافي على مستوى الجهات,  كما أن التقسيم  السابق لم يراعي  الخصوصيات الثقافية و المؤهلات الاقتصادية للجهة , فكان لزاما إيجاد بديل مناسب قادر على استيعاب مختلف هذه المستجدات فخرج إلى  حيز الوجود مقترح الجهوية الموسعة من طرف جلالة  الملك في خطابه بمناسبة الذكرى الثالثة  والثلاثون للمسيرة الخضراء ,  الذي يعتبر بمثابة خريطة الطريق في اتجاه ترسيخ نظام مجالي متقدم يراعى الخصوصيات الثقافية
والحضارية المغربية , ويحافظ على الدولة والوطن و التراب .وقد أسندت وضع مشروع الجهوية إلى لجنة برئاسة السيد عمر عزيمان لما له من ماض مجيد أبان فيه من خلاله  عن حنكة وكفاءة عالية , وهذا ما جعل جلالة الملك يضع خارطة طريق لهذا الإصلاح الجهوي العميق سواء من حيث الأهداف أو المرتكزات أو المقاربات واعتماد مقاربة ديمقراطية وتشاركيه في إعداده , من خلال إقامة لجنة استشارية متعددة الاختصاصات مكلفة باقتراح تصور عام للجهوية الموسعة في أفق فتح نقاش وطني واسع وبناء بمشاركة جميع المؤسسات والسلطات المختصة والفعاليات التمثيلية والحزبية والأكاديمية والجمعوية المؤهلة، وذلك بهدف الوصول إلى تصور وطني لنموذج مغربي لجهوية متميزة تساير التقدم الديمقراطي والمسيرة التنموية,  وتساهم في ترسيخ الحكامة الجيدة وتعزيز مسار الإصلاح لمؤسساتي بالبلاد مادامت النماذج الجهوية الدولية تختلف من دولة لأخرى حسب خصائص ومميزات كل دولة على حدة , سواء تعلق الأمر بالنموذج الألماني أو السويسري أو الإسباني أو الإيطالي أو البلجيكي أو الفرنسي وغيرها من النماذج التي أصبحت مطبوعة بالدولة المطبقة فيها.
وفي هذا السياق، فإن إعادة
النظر في الإطار القانوني المنظم للجهات يعد أمرا ضروريا لإقرار جهوية متقدمة وموسعة,  سواء فيما يخص المقتضيات الدستورية أو أحكام القانون الصادر في 1997 مادامت الفقرة الثانية من الفصل 101 من الدستور تخول للعمال تنفيذ قرارات مجالس العمالات والأقاليم والجهات طبق شروط يحددها القانون، أي قانون مجالس العمالات والأقاليم لسنة 1963 كما وقع تغييره وتتميمه والقانون المنظم للجهات لسنة 1997 , وكذلك الشأن بالنسبة لمقتضيات الفصل 102 من الدستور التي بمقتضاها يمثل العمال الدولة في العمالات والأقاليم والجهات، ويسهرون على تنفيذ القوانين، كما أنهم مسؤولون ، لهذه الغاية، عن تدبير المصالح المحلية التابعة للإدارات المركزية مادامت الاختصاصات المخولة للمجالس الجهوية ضعيفة وذات طبيعة تداولية أكثر منها تقريرية , ولا ترقى إلى تحقيق جهوية متقدمة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى هزالة الموارد المالية التي لا تتعدى 1% من الضريبة على الشركات وبعض الرسوم التي تبقى دون مستوى القيام بالمهام المنوطة بالمجالس الجهوية.
وهذا يعني أن الإصلاح
الجهوي المرتقب لابد وأن ينطلق من مراجعة الإطار القانوني المرتبط بالنظام الجهوي الجاري به العمل، بما في ذلك القانون المنظم للجهة لسنة 1997 وبعض مقتضيات القانون المالي والفصول 100 و 101 و 102 من الدستور بالتنصيص على الجهة كنظام جديد لتدبير الشأن العام على المستوى الجهوي وكذا تحديد المرتكزات الرئيسية التي يجب أن تقوم عليها الجهة من حيث الأهداف، والآليات والخصوصيات كما جاء في الخطاب الملكي,  والارتقاء بالإطار القانوني المنظم للنظام الجهوي المغربي إلى قانون تنظيمي بدل أن تظل الجهة مجرد جماعة محلية على غرار الجماعات البلدية والقروية ومجلس العمالات والأقاليم وفقا لمقتضيات المادة 100 من الدستور.
وبهذا التوجه الجديد للعمل
الجهوي، سيكون للمغرب نموذجه الجهوي على غرار الكانتونات السويسرية واللاندات الألمانية والحكم الذاتي الإسباني والنظام الفيدرالي الإيطالي والبلجيكي وغيرها من النماذج الجهوية العالمية.

                                                                                                                                  بقلم: عبد الغني العداسي

ليست هناك تعليقات: